فايز الداية
175
معجم المصطلحات العلمية العربية
علم الكلام . وصناعة الكلام ملكة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صرّح بها واضع الملة ، وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل . وهذه الصناعة تنقسم جزءين أيضا : جزء في الآراء ، وجزء في الأفعال . وهي غير الفقه : لأن الفقيه يأخذ الآراء والأفعال التي صرح بها واضع الملة مسلمة ، ويجعلها أصولا فيستنبط منها الأشياء اللازمة عنها . والمتكلم ينصر الأشياء التي يستعملها الفقيه أصولا من غير أن يستنبط منها أشياء أخرى . فإذا اتفق أن يكون لإنسان ما قدرة على الأمرين جميعا فهو فقيه متكلّم فتكون نصرته لها بما هو متكلم ، واستنباطه عنها بما هو فقيه . * * * وأما الوجوه والآراء التي ينبغي أن تنصر بها الملل ، فإن قوما من المتكلمين يرون أن ينصروا الملل بأن يقولوا إن آراء الملل وكل ما فيها من الأوضاع ليس سبيلها أن تمتحن بالآراء والروية والعقول الإنسية ، لأنها أرفع رتبة منها : إذ كانت مأخوذة عن وحي إلهي ، ولأن فيها أسرارا إلهية تضعف عن إدراكها العقول الإنسية ولا تبلغها . وأيضا فإن الإنسان إنما سبيله أن تفيده الملل بالوحي ما شأنه أن لا يدركه بعقله وما يخور عقله عنه ، وإلا فلا معنى للوحي ولا فائدة إذا كان إنما يفيد الإنسان ما كان يعلمه وما يمكن إذا تأمله أن يدركه بعقله . ولو كان كذلك لو كل الناس إلى عقولهم ، ولما كانت بهم حاجة إلى نبوة ولا إلى وحي . ولكن لم يفعل بهم ذلك : فلذلك ينبغي أن يكون ما تفيده الملل من العلوم ما ليس فيه طاقة عقولنا إدراكه ؛ ثم ليس هذا فقط ، بل وما تستنكره عقولنا أيضا ، فإن كل ما كان أشد استنكارا عندنا كان أبلغ في أن يكون أكثر فوائد ؛ وذلك أن التي تأتي بها الملل مما تستنكره العقول وتستبشعه الأوهام ليست هي في الحقيقة منكرة ولا محالة ، بل هي صحيحة في العقول الإلهية .